وفقاً لما أفادته وكالة أهل البيت (ع) للأنباء ـ ابنا ـ ألقى رجل الدين اللبناني «العلامة السيد علي فضل الله» خطبة الجمعة في مسجد "الإمامين الحسنين (ع)" في "حارة حريك"، في حضور عدد من الشخصيات العلمائية والسياسية والاجتماعية، وحشد من المؤمنين.
وجاء في خطبته الثانية "في الوقت الّذي نعيش وسط كلّ هذا الواقع، نرى أنّ ما يجري الآن في جنيف، يمثّل خطوة على الطّريق الصّحيح، بصرف النّظر عن التعقيدات الّتي رافقت الدّعوات إلى هذا المؤتمر".
"إنّنا نأمل أن يساهم هذا المؤتمر في رسم عناوين التّسوية الّتي تزيل معاناة الشعب السوري بكلّ أطيافه ومذاهبه، في الدّاخل والخارج، لإيقاف نزيف الدّم، وفكّ الحصار عن أكثر من منطقة سوريّة، والبدء بحوار سياسيّ، لطالما أكّدنا وسنظل نؤكّد، أنّه الخيار الوحيد للسوريّين في كلّ المراحل، حيث لا مجال للحسم العسكريّ في هذا البلد، نظراً إلى التّعقيدات الكبيرة في داخله وخارجه، وإن كان هناك من لا يزال يراهن عليه".
"كم كنّا نتمنّى أن يتمّ هذا الحوار في الداخل السوريّ، بعيداً عن التدخّلات الخارجيّة، ومصالح الدّول الكبرى والإقليميّة، الّتي ستعمل على أن تكون الحلول لحسابها، لا لحساب الشّعب السوري".
"إنّنا نعيد التّشديد على ضرورة أن نحفظ سوريا، أن نحفظ وحدتها وحريّتها وخيارات شعبها، وأن تبقى موقعاً من مواقع القوّة للعالم العربي والإسلامي، في مواجهة العدوّ الصّهيونيّ وكلّ المتربّصين بالأمّة شرّاً".
"وهنا، لا بدّ من أن نبدي ملاحظة وسط كلّ ما سمعناه في افتتاح المؤتمر، لنقول: إنّ على الّذين يتحدّثون عن الجرائم والمجازر، ويدافعون عن حقوق الشّعوب، أن يكونوا ممن لم تتلطّخ أيديهم بدماء هذه الشّعوب في هذا البلد أو ذاك، وخصوصاً أولئك الّذين يتحدّثون عن العفّة والطّهارة، ليصدقوا القول بالفعل، في زمن باتت الهوّة سحيقة بينهما".
وفيما يلي نص الخطبة الثانية لسماحته:
عباد الله، أوصيكم وأوصي نفسي بتقوى الله؛ التّقوى الّتي تجعلنا نتحرّك حيث يريد الله، فلا نقدّم رجلاً أو نؤخّر أخرى، حتّى نعلم أنّ في ذلك لله رضا. ومن التّقوى، أن نستلهم العبرة الموجودة في هذه القصّة، إذ يذكر أنّ سفينة ضربتها الأمواج، حتّى أشرف ركّابها على الغرق، فأصابهم الفزع والهلع، وضجّوا إلى الله بالدّعاء والبكاء والتوسّل، وكان بينهم شابّ مشغول لسانه وقلبه بذكر الله بكلّ هدوء، ولم يظهر عليه الخوف والاضطراب، فتعجَّب الركّاب من حاله، وقالوا له: "ألم تر ما حلَّ بالسّفينة وبنا، لمَ لا تلجأ إلى الدّعاء، لعلّ الله ينجينا بدعائك من هذا البلاء!؟". فقام الشابّ، ورفع يديه إلى السّماء، وقال: "إلهي، أريتنا قدرتك فأرنا عفوك". فسكن البحر، وهدأت الأمواج، فتعجّبوا من كرامة هذا الشابّ عند الله، وراحوا يسألونه عن سبب إجابة دعائه دون أدعيتهم، فقال لهم: "تركت ما أريد لما يريد، فترك ما يريد لما أريد".
أيّها الأحبّة، هذه التّقوى هي الّتي أشار إليها الله عندما قال: {وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا* وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ}، {إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ}. فالتّقوى هي السّبيل لاستجابة دعواتنا وإزالة همومنا، وهي الّتي تجعلنا نبصر النّور وسط الظّلمات، ونبصر الأمل وسط انسداد الأفق من حولنا، وهي الّتي تجعلنا قادرين على مواجهة التحدّيات، مهما عظمت وكبرت، وما أكثرها!
لبنان: الأمن المستهدف
لا يزال الإنسان اللّبنانيّ يعيش معاناة يوميّة، في ظلّ عدم الاستقرار السياسيّ والاقتصاديّ والأمنيّ، حيث امتدّت مجدّداً اليد الآثمة إلى حارة حريك؛ هذه المنطقة الّتي لم تنفض بعد آثار الجريمة السّابقة عنها على مستوى الحجر والبشر، لتستهدف أمن الضّاحية الجنوبيّة بكلّ ما تمثّل من أمن الوطن كلّه، وتحت عناوين واهية، فالفاعلون والمخطّطون يعرفون أن لا علاقة لكلّ هؤلاء الضّحايا بالمجزرة الآثمة الّتي نفّذت بحقّ أطفال عرسال، ولا بقتل أطفال سوريا، وتكفي جردة سريعة لكلّ الضّحايا، حتّى تظهر لنا حقيقة كلّ ذلك.
وهنا، نتساءل ونقول لمن قاموا بهذه الجريمة: أسألتم أنفسكم ما هي الجريمة الّتي اقترفتها ماريا الجوهري وهي في ربيع العمر، وأحمد عبيدة؛ السّاعي إلى رزقه، وعلي بشير، وقبله ملاك زهوي، وعلي خضرا، ومحمد الشعار! واللائحة تطول لتضمّ أبرياء لا ذنب لهم إلا أنهم كانوا في موقع التّفجير، يتنقّلون إلى أعمالهم، أو يشترون ما يحتاجون، فضلاً عن أولئك الّذين طاولهم التّفجير وهم في بيوتهم؟!
إنَّ ما يحصل من تفجيرات، يشير إلى أنّ الفاعلين والمخطّطين، لا يميّزون فيما يقومون به بين أتباع دين ودين، وأتباع مذهب وآخر، ولا بين منطقة وأخرى، وأنّه ليس من هدف لاستباحة هذه الدّماء سوى القتل للقتل، وهم يعرفون أنّ ذلك لن يُصرف في السياسة، ولن يؤدّي إلى تغيير الوقائع الميدانيّة الجارية، سواء في لبنان أو خارجه، بعد أن وصلت الأمور إلى ما وصلت إليه من تعقيدات.
التوحّد لمواجهة الإرهاب
إنَّ ما يجري بات يستدعي من كلّ القوى السياسيّة والدّينيّة، التّلاحم والتّكاتف والتّعاون، لمواجهة هذه الظّاهرة، فهي لا تمثّل خطراً على منطقة معيّنة، أو مواقع محدّدة فحسب، بل تمثّل خطراً على كلّ المناطق اللّبنانيّة، وكلّ البلد، وكلّ النّسيج اللّبناني، وعلى القيم الإنسانيّة والأخلاقيّة الجامعة بين الدّيانات، كما أنها تشكّل خطراً على صورة الإسلام الّذي يشوّهه هؤلاء بتصرّفاتهم، ويظهرونه على أنّه دين قتل، وأزمة للبشر والحجر، فيما هو دين رحمة ومحبّة وانفتاح وأخلاق، حتّى في أشدّ النزاعات والحروب والمآسي، كما جاء به رسول الله(ص)، ومثّله بسلوكه لا بكلماته فقط.
ومن هنا، فإنّنا ندعو إلى الإسراع في أيّ عمل يساهم في تعزيز وحدة اللّبنانيّين وتماسكهم في هذه المرحلة، وقد نظرنا وننظر بإيجابيّة إلى كلّ أجواء التفاؤل الّتي أشاعتها مواقف الأطراف اللّبنانيّين المختلفة، واستعدادهم للتّنازل لحساب الوطن واستقراره وأمنه، ومواجهة العواصف الهوجاء الّتي لا تزال تحيط به، وذلك بالعمل على تشكيل حكومة وحدة وطنيّة، قد لا تساهم في حلّ كلّ المشاكل، أو إزالة أجواء الخوف من التّفجيرات الّتي تحصل، ولكنّها قد تمهّد لمنع وجود بيئة حاضنة لكلّ هؤلاء الّذين يشتدّ نفوذهم ويقوى في ظلّ الخلاف السياسيّ أو التوتّر المذهبيّ.
إنّنا ندعو كلّ الأفرقاء الّذين يؤثّرون في تشكيل الحكومة، للخروج من حساباتهم الخاصّة إلى حسابات الوطن كلّه. ولكنّنا، مع الأسف، نجد في هذا الوطن من لا يزال يتغافل عن حساسيّة المرحلة وخطورتها، وكأنّ شيئاً لم يحدث في الدّاخل والخارج، فيما المطلوب من كلّ المسؤولين، أن يعوا أنهم موجودون لخدمة النّاس ومعالجة أزماتهم، لا لكي يزيدوا الوضع تأزّماً.
ووسط كلّ هذا الواقع الأمني، نشدّ على أيدي القوى الأمنيّة لمتابعة دورها في حماية مختلف المناطق اللّبنانيّة، مقدّرين جهودها، في الوقت الّذي ندعو المواطنين إلى أن يمارسوا دورهم، كلٌّ في حيّه ومنطقته، ليكونوا خفراء عليها، لمواجهة هذه المرحلة الصّعبة.
فرصةٌ لتسوية الأزمة السوريّة
وفي الوقت الّذي نعيش وسط كلّ هذا الواقع، نرى أنّ ما يجري الآن في جنيف، يمثّل خطوة على الطّريق الصّحيح، بصرف النّظر عن التعقيدات الّتي رافقت الدّعوات إلى هذا المؤتمر.
إنّنا نأمل أن يساهم هذا المؤتمر في رسم عناوين التّسوية الّتي تزيل معاناة الشعب السوري بكلّ أطيافه ومذاهبه، في الدّاخل والخارج، لإيقاف نزيف الدّم، وفكّ الحصار عن أكثر من منطقة سوريّة، والبدء بحوار سياسيّ، لطالما أكّدنا وسنظل نؤكّد، أنّه الخيار الوحيد للسوريّين في كلّ المراحل، حيث لا مجال للحسم العسكريّ في هذا البلد، نظراً إلى التّعقيدات الكبيرة في داخله وخارجه، وإن كان هناك من لا يزال يراهن عليه.
وكم كنّا نتمنّى أن يتمّ هذا الحوار في الداخل السوريّ، بعيداً عن التدخّلات الخارجيّة، ومصالح الدّول الكبرى والإقليميّة، الّتي ستعمل على أن تكون الحلول لحسابها، لا لحساب الشّعب السوري.
إنّنا نعيد التّشديد على ضرورة أن نحفظ سوريا، أن نحفظ وحدتها وحريّتها وخيارات شعبها، وأن تبقى موقعاً من مواقع القوّة للعالم العربي والإسلامي، في مواجهة العدوّ الصّهيونيّ وكلّ المتربّصين بالأمّة شرّاً.
وهنا، لا بدّ من أن نبدي ملاحظة وسط كلّ ما سمعناه في افتتاح المؤتمر، لنقول: إنّ على الّذين يتحدّثون عن الجرائم والمجازر، ويدافعون عن حقوق الشّعوب، أن يكونوا ممن لم تتلطّخ أيديهم بدماء هذه الشّعوب في هذا البلد أو ذاك، وخصوصاً أولئك الّذين يتحدّثون عن العفّة والطّهارة، ليصدقوا القول بالفعل، في زمن باتت الهوّة سحيقة بينهما.
مصر: الخشية من الفوضى
وعندما نتطلّع إلى مصر، وسط كلّ هذه الضّوضاء التي تلفّ المنطقة، فإنّنا نخشى تسلّل أجواء الفوضى والفتنة إليها، حيث يعمل الكثير من الأطراف على استغلال الخلافات السياسيّة، من أجل الدّخول على خطّها، والقيام بتفجيرات أمنيّة متنقّلة، لإبقاء مصر في دائرة الاهتزاز والاستقرار.
إنّنا أمام هذا الوضع، ندعو الجميع في مصر، إلى العمل السّريع لتطويق السّاعين إلى الفتنة، من خلال لملمة الجراح، والتّركيز على أولويّة بناء الوحدة الوطنيّة الدّاخليّة، ونبذ الخلافات الهامشيّة، لأنّ في سلامة مصر وأمنها واستقرارها، سلامة للأمّة، وحماية للمنطقة كلّها، فهي بأمسّ الحاجة إلى دور مصريّ فاعل، يعيد التّوازن إلى السّاحة السياسيّة الإسلاميّة والعربيّة، ويحفظ قضايا العرب والمسلمين.
أين فلسطين من الاهتمام؟!
وأخيراً، كم كنّا نتمنّى أن يكون هذا الاهتمام العالميّ، وهذا الحشد الدّوليّ، مكرّساً لمواجهة ما يعانيه الشّعب الفلسطيني، الّذي تستباح أرضه وإنسانه وممتلكاته وهويّته كلّ يوم، وتطرح التّسويات على حسابه وحساب مستقبله بمباركة دوليّة، لأنّ حسابات الكيان الصّهيوني هي الوازنة والمؤثّرة في ميزان الخداع الاستكباريّ، فهو الابن المدلّل للعالم الغربي والشّرقي،